حوار مع الجامعي براهيم ساسي :المنفى •• لعنة اللعنات الاثنين, 15 مارس 2010

حوار مع الجامعي براهيم ساسي :المنفى •• لعنةاللعنات

 بصفتك شاعرا، مطربا، أستاذا جامعيا، منشطا لحصص ثقافية بباريس، هلا قدمت نفسك لقرائنا؟

يفضل الفنانون بصفة والشعراء بصفة خاصة الظل على الضوء، الفن هو قبل كل شيء عبارة عن صرخة حب، تأثرت كثيرا بالشاعر أرثر ريمبو عند مرحلة الشباب، فهو عبقري فذ·

كنت أكتب آنذاك حتى أنسى حالة العزلة التي كنت أعاني منها، شاء القدر أن أتوجه إلى فرنسا وأنا لم أتعد العاشرة من العمر، كنت طفلا مرحا بقرية تفريت آيت أوملاك، تلك القرية الجميلة بأعالي أكفادو بمنطقة القبائل، كنت أقضي اليوم في سعادة غامرة بتلك المنطقة، رفقة الصبية، كانت قريتنا على غرار كل قرى الجزائر تسير نفسها بنفسها، الأمر الذي أدى بها إلى أن تنأى عن تقلبات السياسة·

كنت في القرية مدللا كثيرا من قبل جدتي لأبي سماح زهرة (سيتي زهرة) ـ يرحمها الله ـ كانت إمرأة كريمة محبوبة جدا، كانت تغرقني في الحكايات الشعبية لمنطقة القبائل، كما كنت مدللا أيضا من قبل جدتي لأمي حامك كلثوم (ستي توكيت)، كانت إمرأة محبوبة جدا في قرية تازروت آيت أوملاك، وهي القرية التي شاء القدر أن أولد فيها، حظيت بعطف وحنان أم حساسة تحب أبناءها كثيرا، السيدة يحياوي تسعديت التي كانت تحفظ عن ظهر قلب الأشعار والغناء البربري، أذكر في أيام الشتاء القاسية كيف كنا نلتف حول الموقد حيث كانت أمي تمثل أمامنا أدوارا مسرحية بعفوية، كنا نضحك حد الثمالة، كنا نضحك ملء أشداقنا كي نلطف من غلواء غياب الأب الذي هاجر إلى فرنسا منذ سنة ,1950 لم نكن نراه سوى مرة في السنة·

هاجر جدي لأبي هو الآخر إلى فرنسا سنة ,1912 وشاء القدر أن أترك ذلك المكان لأهاجر إلى فرنسا سنة ,1975 لم يستطع أبي أن يعيلني بباريس، أرسلني إلى أخته، الخالة ساسي تاكليت زوجة لعداوي محند (المولود بقرية أهميل بالقرب من ياكوران)، وهي القرية التي كانت تحت حماية القديس سيدي عزوز، كان هؤلاء يعتبرونني كأحد أفراد العائلة، درست بمدرسة أوجان فارلان، لا أنسى أبدا المدير جان دولارون الذي لم يبخل علي برعايته وعطفه، كما لا أنسى المعلم محون محند، بفضل طريقة تعليمه المثلى إستطعت أن أزاول دراستي بشكل عادي بفرنسا·

واصلت دراستي بدون مشاكل، ساعدني الشعر على تجاوز الصعوبات التي كانت تعترض طريقي·

فتح لي المعهد ذراعاته، فكنت ألجأ إليه من الفينة إلى الأخرى، كان الرسم أيضا ملاذا لي، كنت أقرأ بنهم الرسومات·

في الثانوية، إكتشفت شعر جيوم أبولينار، شارل بودلير شاركت في مسابقة الشعر التي كانت تنظمها الثانوية، نلت عدة جوائز، الشيء الذي ساعدني في عملية الكتابة. غادرت بيرفيت عند نهاية الدراسة بالكوليج لألتحق بأبي في باريس، وصولي إلى باريس غيّز حياتي، إنضممت إلي ثانوية بول اليوار بسان دونيس. وأنا أتجول بالقرب من شاتولي وجدت نفسي بالقرب من مركز بوبورج حيث يقوم الفنانون برسم بورتريهات للسواح. قررت أن أوظف موهبتي شكرسام حيث كنت أرسم عند نهاية كل أسبوع، في بداية السبعينيات بدأ الرسامون يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم بشوارع باريس، لذا قررت أن أتخلى عن هذه المهنة لأهتم بالموسيقى·

في الشارع الذي كنت أقيم فيه إلتقيت بأحد الموهوبين في الموسيقى الشعبية، إنه سي الطيب علي المولود بمقطع، كان يملك مقهى، بفضله إلتقيت العديد من الفنانين القبائليين، كآكلي يحياتن، رشيد مصباحي، آيت مسلاين، يوسف بجاوي، سيد مسعودي، علمني السي الطيب عملية التوزيع الموسيقي لفن الشعبي، كما حببني في دحمان الحراشي· في سنة 1992 قمت بتسجيل آلبوم لي (المنفى الأبدي)، تأبينا لروح سليمان عزام، لدي 31 أغنية يمكن تسجيلها من خلال موقعي على الأنترنيت www.brahimsaci.com سأبقى بوهيميا، أكتب الشعر في الشوارع، سواء بالقبائلية أو الفرنسية·

عندما نسمعك تغني نشعر كما لو أننا نستمع لسليمان عزام، كيف استطعت أن تصل إلى هذا التألق كله؟

ليس هذا تألقا، بل هو شيء طبيعي، أشترك على تشبيهي بسليمان عزام، أظن أن هذا التشابه بيني وبين سليمان عزام هو هبة من الله·

أعتقد أنني لازلت بعيدا عن صوت سليمان عزام، فصوته عند الاستخبار أكثر من رائع، لا يستطيع أن ينافسه إلا القليل·

أغنيته تتدفق مثل الماء في أودية جرجرة، أغانيه رائعة مثل الينابيع، الأغنية الشعبية هي عبارة عن مزيج من الأغنية العربية، البربرية والأندلسية، إستطاع امحمد العنقى بخبرته وذوقه أن يبسطها وينشرها لدى أكبر شريحة من المستمعين، ودحمان الحراشي فقد استطاع أن يجعل الأغنية الشعبية قريبة جدا من عامة الشعب· أما سليمان عزام فيعد أحد أقطاب التلحين، فبساطة ألحانه لم تكن جلية أي ظاهرة فقط، لم يصل سليمان عزام إلى هذا المستوى صدفة، وللوصول إلى هذا المستوى يجب أن يكون الملحن على قدر كبير من الثقافة، كما أنه يجب أن يكون ملما إلماما واسعا بالشعراء القبائل، كما أنه يجب أن يمر بتجربة ثرية مليئة بالمعاناة، يجب أن يمشي على الجمر بأقدام حافية دون أن يهتز لنا جفن، فلكي تكون مقنعا مثل معطوب الوناس لا بد أن تكون على دراية واسعة بعالم الموسيقى، يجب أن يقرأ الواحد منا كثيرا، يجب أن يتحكم جيدا في اللغة وفي التقنيات، يجب أن يحب عمله، فالفن هو الحب قبل أي شيء، أن يعطي الواحد منا دون أن ينتظر المقابل·

موضوع المنفى حاضر جدا في عملك، هل من كلمة بهذا الخصوص؟

المنفى هو لعنة من اللعنات، لكن لا نستطيع أن نقول عن الشعراء أنهم ملاعين، نقول عنهم ذلك لأننا لا نفهمهم·

العزلة الشديدة تجعلك تشعر كما لو أنك شخص آخر يبحث عن عالم آخر، يهجر الفراغ للبحث عن قوة دفع خفية، المنفى الداخلي الذي يعاني منه الشعراء مدمر لأنه عبارة عن عاصفة داخلية صامتة، لذا أضحى القلم هو الوسيلة الوحيدة التي يخفف من خلالها الشاعر من معاناته، غير أن لحظات السكينة والراحة لدى الشاعر هي قليلة جدا، إذا أضفنا المنفى الداخلي إلى المنفى الخارجي لدى الشاعر فسيصبح عالما ملبدا غائما رغم شروق الشمس، فالشجرة التي ليس لها جذور تموت وتصبح ملاذا للغربان، فالقلب والروح بحاجة إلى منابع كي ترتوي منها، لحسن الحظ الحب هو المخلص عن كل هذا·

ستطرح في الأسواق ألبوما جديدا لعشاقك، ما هي المواضيع الرئيسية لهذا الألبوم؟

أن أعمل منذ مدة على هذا الألبوم، وبما أنني شخص لا يقتنع كثيرا بعمله أخذت مدة طويلة لكي أنجز عملي، فأنا أعيد النظر في الألحان في الكثير من المرات قصد القيام بتعديلات وتغييرات عليها، يجب أن تتدفق الأشعار مثل مياه نهر أكفادو، يجب أن تكون الأشعار منعشة ورائعة مثل مياه نهر أكفادو· من الواضح أن موضوع المنفى حاضر جدا، الزمن يمر قد يحطم الحب، فالشاعر يشعر بالإحباط تجاه الأشياء التي لا يستطيع تغييرها، الفن هو النقاء، العطاء، الجمال، الحقيقة، غير أنه عندما يواجه الخير الشر يشعر بعدم الحماية منه، ألبومي هو عبارة عن مواجهة بين الخير والشر، الليل والنهار، في ألبومي العديد من الأغاني بالقبائلية والفرنسية لأن اللغة القبائلية واللغة الفرنسية تعيشان بداخلي، عنوان الألبوم (الحب أصبح نادر) حكاية التروبادور، العنوان بحد ذاته يعبر عن المعاني التي تريد الألبوم ترويجها، إنه ألبوم جدير بالإستماع ومفيد·

كما أن بالألبوم نظرة حول الجزائر البلد الأم الذي لطالما اشتقته، ننظر إليه من فرنسا والأمل يحذونا أن تسوده ديموقراطية حقيقية من أجل الشعب الجزائري، وأن تكون هناك عدالة اجتماعية يسودها الاحترام المتبادل، كما أننا نأمل أن تكون هناك علاقة ممتازة بين الضفتين·

أجرى الحوار: يوسف زيرام

ترجمة: يوسف بوطاروق

الاثنين, 15 مارس 2010